Blogger Widgets

بنر

Latest Tips For BloggersLatest Tips For Bloggers Latest Tips For BloggersLatest Tips For Bloggers

.: عدد زوار المدونة :.

سلسلة مميزة - اداب الانترنت


ادعمنا
جديد
جـــاري الــتــحــمــيــل...

الخميس، 13 فبراير، 2014

من نهايات الخارجين على حكام المسلمين

الرؤى:0

الحمد لله العزيز القهار والصلاة والسلام على النبي المصطفى المختار وآله وصحبه الأخيار، أما بعد: فهذا مقال يحكي قصصاً مؤثرة عن نهاية الخارجين على الخلفاء, وحكام المسلمين، ماذا صنع الله بهم؟ وماذا حدث لهم؟ هل يا ترى رفعوا راية الإسلام؟ أم نشروا العلم في الأوطان؟ أم هل يا ترى كان لهم شأن في كسر شوكة الأعداء؟ في الحقيقة لعل هذا هو الخيال الذي رسمه الخارجون في عقولهم, وهو الذي مرّ في طيف أحلامهم, لكنه خيال لا حقيقة له إلا في الأذهان، أما في الواقع فلم يكن وما كان, بل كان خروجهم على السلطان على ممرّ الأزمان يحمل كثيراً من الفساد والخذلان.




هل تدري لماذا أخي القارئ؟


لأنهم جعلوا أسّ الإصلاح تغير المنكر الذي يتركز على تغير الحاكم الجائر بالخروج عليه, وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هوان وذلّ من كان هذا سعيه وإصلاحه.

فقالصلى الله عليه وسلم:" من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله".(1)

وقال صلى الله عليه وسلم:" ما من قوم مشوا إلى سلطان الله ليذلوه إلا أذلهم الله قبل يوم القيامة"(2) وفي رواية(3)"قبل أن يموتوا".


ولأنهم سعوا سعياً حثيثاً للوصول إلى الحكم بغض النظر عن كيفية الوصول إليه, وما هي الأهلية للتمركز عليه, فكانت النتيجة الخزي والندامة.

قالصلى الله عليه وسلم:"إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة".(4)

وقال صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها, وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها".(5)


وظهر مصداق هذا الخبر النبوي في التاريخ الإسلامي فما خرج قوم على الحاكم المسلم براً كان أو فاجراً, إلا أذلّهم الله وانتقم منهم, وترتب على خروجهم من المفاسد والضرر العام الظاهر أكبر وأعظم مما كان من الفاسد والضرر الخاص القاصر, وإليك أخي القارئ بعض القصص والأخبار كنماذج يعتبر بها أولوا النهى الأبصار.


الأنموذج الأول: الخارجين على عثمان رضي الله عنه وانتقام الله منهم.

قد بشر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه بالجنة لكن على بلوى تصيبه, فكان كما أخبرصلى الله عليه وسلموذلك أن الثوار والخوارج نقموا على الخليفة المهدي الراشد الثالث أموراً هي بين صحيحة له فيها منقبة فقلبها الحاقدون مثلبة, وأموراً لا يعيب على مثلها إلا من قصد الفتن والفساد, وأموراً مفتراة عليه, فاستغل الخوارج الثوار هذه الأشياء التي شاعت وانتشرت للتحريض على الخليفة الراشد, وجمعوا الجموع وغرّوا السذج الأغمار بهذه الشبه والمفتريات, ثم توجهوا إلى المدينة قاصدين الحج بزعمهم وهم يبطنون خلع الخليفة أو قتله, فاجتمع بهم عثمانرضي الله عنهوحاورهم وذكّرهم ودفع ما تعلق به القوم من الشبه ووعظهم, وذكرهم غيره من الصحابة إلا أن الأمر قد دبّر بليل والفتنة لا تنطفئ إذا أضرم فتيلها, فأبى الثوار إلا ما أبطنوه فحاصروا دار عثمان رضي الله عنه أربعين يوماً, وزادت المفاوضات بين أمير المؤمنينرضي الله عنهوالمحاصرين له فهم يريدون خلعه بلا موجب, وهو يأبي ذلك لا حرصاً على الإمامة, بل لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له حين قال له:" :"يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم".(6) فاختار الصبر على هذا العهد رضي الله عنه ولم يأذن لأحد من الصحابة بالقتال معه مع حرصهم الشديد على الدفاع عنه وحمايته رضي الله عنهم, وما ذاك الصبر والثبات إلا؛ لأنه لا يريد أن يكون أول من يفتح باب سفك الدماء على المسلمين, ولعلمه أن الثوار إنما يريدونه لا يريدون غيره, فافتدى بدمه لحماية دم المسلمين واختار أن يكون عبد الله المظلوم, ثم وقع ما وقع ودخل الثوار في أوسط أيام التشريق في صبيحة يوم الجمعة دار الخليفة وهو ناشر كتاب الله بين يديه يقرأه ويتلوه, فدخل عليه رجل فخنقه ثم أهوى عليه بالسيف فاتقاه عثمان رضي الله عنه بيده فقطع يده فقال عثمانرضي الله عنه:" أما والله إنها لأول كفٍّ خطّت المفصل"(7) فوثبوا عليه وضربه رجل في صدغه(8) الأيسر فقتله, وكانت قتلته وحشية, حتى أن أبا هريرة رضي الله عنه كان كلما ذكر ما صنع بعثمانرضي الله عنهرضي الله عنه بكى حتى ينتحب يقول :هاه هاه.(9)

فقتلوه -قاتلهم الله-واقتحموا ثلاث حرم: حرمة البلد الحرام والشهر الحرام وحرمة الخلافة.(10) وأنشد حسان بن ثابت:

قتلتم وليّ الله في جوف داره وجئتم بأمر جـائر غيـر مهــــــــــتدِ

فلا ظفرتْ أيمان قوم تعاونوا على قتل عثمان الرشيد المسدّدِ.(11)

فوقعت بقتله مصيبة كبيرة وفتنة عظيمة حتى قال عبدالله بن سلام:"لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى قيام الساعة".(12)

هذا ما حدث من خروج الخوارج على الخليفة الراشد عثمان بن عفانرضي الله عنهرضي الله عنه فكان من انتقام الله منهم ما قال ابن كثير رحمه الله:"وقد أقسم بعض السلف بالله: أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولاً…وقال بعضهم : ما مات أحد منهم حتى جُنّ".(13)

قال محب الدين رحمه الله:"وهكذا سائر قتلة عثمان لقوا جزاء عملهم في الدنيا قبل الآخرة ".(14)


الأنموذج الثاني: الانتحار نهاية ابن الأشعث.

لما بعث الحجاج ابن الأشعث على سجستان، ثار ومن معه على الحجاج في أول أمرهم لجوره وجبروته, ثم تمادى بهم الأمر فخلعوا الخليفة عبد الملك بن مروان, وأقبل في جمع كبير فقاتله الحجاج، وجرى بينهما عدة مصافات ينتصر ابن الأشعث فيها، ودامت الحرب أشهراً، وقُتل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث، وفرّ هو إلى الملك رتبيل -ملك الترك- ملتجئاً إليه, فطلب الحجاجُ ابنَ الأشعث من رتبيل وكاتبه. يقول: والله الذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إلي بابن الأشعث لأبعثنّ إلى بلادك ألف ألف مقاتل ولأخربنّها. فلما تحقق الوعيد من الحجاج قبض رتبيل على ابن الأشعث وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد, وبعث بهم مع رسول الحجاج إليه, فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرجح صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر-ومعه رجل موكل به لئلا يفرّ- وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به.(15)


الأنموذج الثالث: طالوت المعافري ويحيى الليثي عام عصيب.

كان الخليفة الأندلسي الحكم بن هشام(206ه) في أول خلافته على سيرة حميدة, ثم تغير وجاهر بالمعاصي وكان من جبابرة الملوك وفساقهم ومتمرديهم, وكان ذا عدوان وظلم, فهمَّ بعض العلماء بنزع طاعته ومنهم:طالوت المعافري(16) ويحيى الليثي(17)وقالوا: إنه غير عدل, ونكثوه في نفوس العوام, وزعموا أنه لا يحلّ المكث ولا الصبر على هذه السيرة الذميمة، وعولوا على تقديم أحد أهل الشورى بقرطبة، وهو أبو الشماس أحمد بن المنذر بن الداخل الأموي ابن عمّ الحكم ؛ لِما عرفوا من صلاحه وعقله ودينه فقصدوه وعرّفوه بالأمر, فأبدى لهم الميل في بداية الأمر, ثم وشى بهم بعد ذلك عند الحكم, وأوقف الحكم على صحة الحال.

فلما حضر أقبل يسألهم عمّن معهم في هذا الأمر فلما عرفوا أنه كشفهم وسقطوا في يده, بادروا بالخروج فنجا منهم من نجا, وكان من الناجين طالوت ويحيى الليثي, وأما من لم يفرّ فقد قتل منهم من قتل وصلب منهم آخرين, حتى وصل عدد من قتل من الفقهاء وأهل الصلاح ما يقارب اثنين وسبعون رجلاً.(18)

وبعد أمَدٍ كتب يحي للحكم يطلبه الأمان, فاستجاب الحكم له , فعاد إلى قرطبة في آخر أيام الحكم, ولم يزل تحت كرامته بقية أيامه,وأما طالوت فرجع تحت ولاية الحكم بعد اختباء عام في بيت يهودي.(19)


الأنموذج الرابع: ابن حسّون نهاية مؤلمة.

قام أبو الحكم الحسين بن حسّون القاضي بمالقة في أواخر دولة المرابطين وأعلن الثورة على ابن تاشفين سلطان دولة المرابطين, واستمر حكمه في مالقة إلى أن قتل نفسه بعد أن تآمرت عليه الرعية وثارت عليه , زلت قدمه وكاتب الإفرنج, ثم أشعل النار في كتبه, ثم ضاع رشدّه فقتل بعض بناته غيرة عليهم من السبي, ثم حسا سماً فلم يمت منه, ثم تناول رمحاً وتحامل على أسنانه حتى خرج من ظهره ولم يمت حتى دخل الثوّار عليه وهو على هذه الحال ثم مات بعد يومين, وصلبت جثته وحمل رأسه إلى مراكش.(20)


هذه بعض نماذج الخارجين على حكام المسلمين -سلمنا الله وإياكم من الفتن- ليس المقصود القصّ والحكاية بل المقصود منها أخذ الدروس والعبر وما يفيد عموم البشر حتى نتجنب هذا الخطر.

الفوائد المستفادة من هذه النماذج.


إن مما يستفاد من هذه النماذج:

الفائدة الأولى:

إن أول خروج على حكام المسلمين حدث في زمن الخليفة عثمان رضي الله عنه, فأراد الخوارج بزعمهم الإصلاح بثورتهم تلك, فوقعت فتنة عظيمة, بل كانت أول باب فتنة انفتح وانفتحت من بعده أبواب الفتن, وتوالى بعد ذلك الخوارج في الخروج فخرجوا على علي رضي الله عنه, ونشأت فرقة الخوارج المتسمة بالخروج على الحكام وتكفير المسلمين, فالخروج على حكام المسلمين هي عقيدة الخوارج وهي عقيدة مخالفة للنصوص الشرعية ولما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم , فمن خرج على ولاة أمر المسلمين اليوم فإنما ورث الخروج والتكفير من الخوارج الأوائل, فكان كما قيل (لكل قوم وارث).


الفائدة الثانية:

إن الخارجين لا يرضون عن الحاكم المسلم إلا على معاييرهم ومفاهيمهم؛ ولذلك لم يرضوا عن الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه, وبعده قاموا بقتال الخليفة الراشد علي رضي الله عنه, ولما تحجج ابن الأشعث بجور الحجاج وخرج عليه, لم يكتف بذلك بل خلع بيعة الخليفة عبدالملك.

فخروجه على الحجاج كان يتذرع فيه بجوره وظلمه, لكن ما هي حجته في خلع بيعة عبدالملك والخروج عليه !؟ ثم ما هي حجة من بايع ابن الأشعث وخرج على عبدالملك !؟

يقول ابن كثير معلقاً على القصة بعد ما تعجب من مبايعة الناس لابن الأشعث:" فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صلبية قريش, ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحلّ والعقد؛ ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شرّ كبير هلك فيه خلق كثير فإنا لله وإنا إليه راجعون".(21)


الفائدة الثالثة:

إن الفتنة أول ما تصيب من أشعلها, وتأمل في قتلت عثمان رضي الله عنه ماذا كانت خاتمتهم, من القتل والجنون.

وابن الأشعث كانت نهايته الانتحار, الذي هو معصية وذنب عظيم , فارتكب ذنباً ومعصية مع كونه خرج على الحجاج من أجل جوره ومعاصيه !

وأما ابن حسّون فقد تمثلت فيه قاعدة: الجزاء من جنس العمل. حيث خرجوا عليه كما خرج على ابن تاشفين, بل عمد هو بنفسه وبيديه إلى قتل بناته, وشرب السمّ بكأسه, ثم قتل نفسه برمحه.

فيالله ما أخطر الفتن وأقبحها ! تردي بصاحبها في مكان سحيق وصدق امرؤ القيس حين قال:


الحــــرب أول ما تكون فتية… تسعى بزينتها لكل جهـــول

حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها …ولت عجوزاً غير ذات حليل

شمـــــــطاء ينـــكر لونهــــا وتغيرت…مكروهــــــة للشــــــم والتقبيـــل.(22)


وهكذا اليوم من خرج وثار خرجوا وثاروا عليه, ومن أهان السلطان أهانه الله, ومن شهر بولاة الأمر شهر الله به , ومن زعزع الأمن والاستقرار ألبسه الله لباس الخوف والذعر, وما عليك إلا أن تنظر في التاريخ نظرة ثم تكرر النظر في الواقع المعاصر فستجد ما كن بالأمس موجوداً اليوم.


الفائدة الرابعة:

إن من ذِلّ الله للخارجين على حكام المسلمين أن يجعلهم الله من شاء منهم أذلة تحت مظلة الكافرين, وانظر إلى ابن الأشعث مثلاً حيث التجأ بعد خروجه على الحاكم المسلم إلى ملك كافر , وتأمل طالوت المعافري تحمّل العيش مختبئاً ذليلاً تحت يهودي يطعمه ويكسوه, بعد أن كان عزيزاً تحت حاكم مسلم يكرمه ويعزه, قد أحسن إليه أيما إحسان وأكرمه أيما إكرام, ولذا لما دخل طالوت على الحكم بعد غياب سنة ذليلاً في بيت اليهودي, كان الحكم يعاتبه ويذكره بإحسانه له فيقول:" طالوت!طالوت! الحمد الله الذي أظفرني بك، ويحك أخبرني لو أن أباك أو ابنك قعد مقعدي بهذا القصر أكانا يزيدانك من البر و الإكرام على ما فعلته أنا بك؟!

هل رددتك قط في حاجة لك أو لغيرك؟ ألم أشاركك في حلوك ومرِّك؟ ألم أَعُدك مرات في عِلاتك؟ ألم أشاركك في حزنك على زوجتك؟ فمشيت في جنازتها راجلاً إلى مقبرة الربض؟ وانصرفت معك كذلك إلى منزلك؟ وغير شيء من التوقير فعلته بك؟ ما حملك على ما قابلت به إجمالي؟ ولم ترض مني إلا بخلع سلطاني، والسعي لسفك دمي، واستباحة حرمتي؟

فقال له طالوت: ما أجد لي في هذا الوقت مقالاً أنجى من صدقك, أبغضتك لله وحده, فلم ينفعك عندي كل ما صنعته, هي حظوظ دنياك. فسرّي عن الأمير وسكن غيظه وملأ عليه رقة.

فقال: والله لقد أحضرتك، وما في الدنيا عذاب إلا وقد عرضته اختار أفظعه لك, وقد حيل بيني وبينك, فأنا أعلمك أن الذي أبغضتني له صرفني عنك, فانصرف في أمان الله تعالى وانصرف حيث شئت وارفع إليّ حاجتك فلم تعدم مني براً, فيا ليت الذي كان لم يكن.

فقال له طالوت: صدقت فلو لم يكن كان خيراً لك ولا مرد لأمر الله.

فلم يزل طالوت لديه بعد مبروراً إلى أن توفي عن قريب فآسى له الحكم وحضر جنازته وأثنى عليه به بصدقه".(23)

وهذا ما موقع بالفعل في هذا الأيام من بعض دعاة الخروج خرجوا على ولاة أمرهم ولجأوا إلى منظمات كفرية وتحت مظلة دول الكفار.

يا سبحان الله مع أن سبب خروج الخوارج القديم والحديث ظلم الحكام وعدم تحكيمهم الإسلام, فهل وجودوا العدل وتحكيم الإسلام في بلاد الكفار !؟ ما هي إلا الفتنة والهوى ليس إلا .


الفائدة الخامسة:

إن الفتنة تعمي القلوب وتجحد الإحسان؛ فإن ابن الأشعث كان أميراً بطلب من الحجاج مع أنه يبغضه, ولم يؤثر هذا الإحسان في قلبه , وطالوت كان من إحسان الحكم له ما قرأت في عتابه إياه, ومع هذا لم يكن لذلك الإحسان أي اعتبار عند طالوت أتدرون لماذا؟

لكثرة النظر إلى المساوئ , وشحن قلوب العامة على الحاكم كما قال الذهبي في القصة :" وقالوا: إنه غير عدل, ونكثوه في نفوس العوام, وزعموا أنه لا يحلّ المكث ولا الصبر على هذه السيرة الذميمة"(24)

وهكذا ما كان من قبل في فتنة قتل عثمان رضي الله عنه مع أنه صحابي جليل بل ومن العشرة المبشرين بالجنة بل ومن الخلفاء الأربعة لكن سهم الكلام من أصحاب الفتن لم يجعل لأي ٍّمن هذه المناقب شأناً.

وهذه هي الفتيلة التي توقد في قلوب العامة وتضرم نارها في صدورهم ألا وهي بث مساوئ وعيوب حكام المسلمين في قلوب العامة حتى يسهل نكث البيعة والخروج عليهم, وهي من الخطورة بمكان, وهي مقدمات الخروج التي يستغلها أصحاب الفتن, فإن الخروج بالسنان, لابد وأن يتقدمه خروج بالقلب واللسان وكما قيل :


أرى خَلَلَ الرَّماد وَمِيضَ جمرٍ…..وأَخشى أن يكون له ضِرامُ

فإن النار بالعودين تُذْكَى…..وإنّ الحرب مبدؤها الكلام.



الفائدة السادسة:

رجوع طالوت ويحيى الليثي عما حدث منهما -والله يعفو عنهما- وقد قال طالوت لما أحضره الحكم:"كيف يحلّ لي أن أخرج إليك وقد سمعت مالك بن أنس يقول:سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة".(25)

وكذلك يحيى الليثي رجع وطلب من الحكم الأمان وباع جميع الأموال, فاستجاب الحكم له فعاد يحي إلى قرطبة في آخر أيام الحكم, ولم يزل تحت كرامته بقية أيامه حتى أنه لما أراد الرجوع باع جميع عبيده واستبدل بهم وقال:"نكره أن يصحبنا من عرف ما دار علينا من الهرب والذل".(26)

وهكذا رجوع كثير من العلماء والعقلاء عن هذه العقيدة مما يدل على عدم قبول الشرع والعقل لها, فيجب على من وقع في خطأ أن يتوب إلى الله ولا يتمادى في باطله؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل, وتأمل صدق طالوت كيف كان له منجى من عقاب الحكم.

فهلّا من رجوع إلى الحق, وكلمة صدق, تخرج من وقع في زماننا في هذا المستنقع!؟.


الفائدة السابعة:

إن رجوع قليل ممن وقع في هذه العقيدة ألا وهي عقيدة الخروج على الحاكم المسلم, هو رجوع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وإلى النصوص الشرعية والقواعد المرعية.

وهذا يجرنا إلى بيان مسألة مهمة وهي: أن من وقع من أهل الفضل والعلم في هذه الفتنة له حالان:

الأولى: إما أن يكون قد علمت توبته منها ورجع عنها. وهذا حال الأئمة والعلماء من أهل السنة والجماعة ممن وقع في ذلك , فعندئذ لا يجوز نسبة القول بالخروج إليهم, ولا التذرع بفعلهم قبل الرجوع.

الثانية: إما أن لا يكون قد علم أنه تاب منها, فهذا قد وقع في زلة وخطيئة, لا يتابع ولا يوافق عليها.

وعليه فلا يجوز بسبب خطئه نسبة القول بالخروج على حكام المسلمين لأهل السنة والجماعة وأنه قول ومذهب لهم؛ إذ ليس من الشرع, ولا من العقل نسبة الخطأ إلى الإسلام والسنة.

قال عمررضي الله عنه :"يهدم الإسلام ثلاث: زلة عالم, وجدال منافق بالقرآن, وأئمة مضلون".(27) فزلت العالم لا تعتبر قولاً معتبراً في الإسلام , ومن اعتبرها وجعلها من دين الإسلام فقد أعان على هدمه.

ثم من ورد ذلك عنه من أهل الفضل, إنما ورد من فعله لا من قوله, والفعل لا يعتبر قولاً, حتى ينسب لبعض الفضلاء القول بالخروج وهو ما قاله بل فعله.

ثم إن مخالف النصوص الصريحة الصحيحة لا يعد مذهباً للسلف.

فتأمل هذا ولا تلتفت لقول أصحاب الأهواء الملبسين في الدين, المسوغين للخروج على حكام الجور من المسلمين, القائلين بأن المسألة خلافية وأن الخروج مذهب للسلف.

كيف يكون مذهباً للسلف ونصوص الوحيين تحرمه؟!

كيف يكون مذهباً للسلف وقد نقل الإجماع غير واحد على أن عقيدة السلف السمع والطاعة وعدم الخروج على حكام المسلمين يقول الإمام المزني(264هـ) وهو يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة :"والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله uمرضياً واجتناب ما كان عند الله مسخطاً وترك الخروج عند تعديهم وجورهم"(28) ثم قال حاكياً اتفاق أهل العصور المفضّلة على ذلك:"هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضاً".(29)


الفائدة الثامنة:

إن الخروج على الحاكم سبب لسفك الدماء والفساد في الأرض وذهاب الأمن وموت العلماء , والناظر في فتنة ابن الأشعث يرى ذهاب ثلة من العلماء بسبب هذه الفتنة , وفي فتنة طالوت المعافري مات اثنان وسبعون عالماً.

فأي مصلحة ترجى من عمل قُتل بسببه أفاضل الأمة والعلماء , وسفكت بسببه دماء الأبرياء, ونهبت أموال المعصومين , وبسببه دبّ الوهن في المسلمين؟!

كيف يعمد اليوم بعض الحركيين الثوريين إلى هذا الفساد الذي سموه إصلاحاً ؟!

أليس لهم في ما وقع عبرة وعظة؟

ألم يعتبروا بهذه الأخبار ؟ ألم ينزجروا من هذه الحوادث في الأقطار؟

فما لهم لا يتعظون ولا ينزجرون؟

أم هو الهوى الذي يُري صاحبه الباطل حقاً, والنار جنة, والصيف الحار ربيعاً!!!

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَىَ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىَ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىَ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ﴾(30)


الفائدة التاسعة :

إن الفتنة لا تروج إلا بلبس الحق بالباطل, ويروجها مدعي الصلاح قاصداً للإفساد أو جاهلاً به.

وينسبها المفسد مدعي الإصلاح إلى أهل الصلاح تلبيساً على العامة وضعفاء البصيرة, وفي الوقت نفسه يظهر الحق بصورة مستهجنة ينفر منه من لا بصيرة له بحقائق الأمور.

فالخوارج لما خرجوا في أول الأمر ألبسوا خروجهم لباس الدين وقالوا: ننكر المنكر ونادوا بشعار (لا حكم إلا لله) فقام علماء الصحابة فقالوا: كلمة حق أريد بها باطل.

ثم من جاء بعد الخوارج ممن سار على نهجهم جعل النكير على الحكام في المنابر على رؤوس الخلائق وقال: نصيحة لله!؟ ولا نخاف في الله لومة لائم.

وكذلك من أتى بعدهم اتّكئوا على أخطاء الحكام ومعاصيهم ونشروها بين العامة, ونفخوا فيها حتى كبرت ثم قالوا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, والحكام عصاة فلا طاعة لهم!! وكم من كلمات حق أريد بها باطل وكم من شعارات ظاهرها مزخرف وباطنها مفخخ.

فلما كشف أهل العلم من أهل السنة والجماعة باطلهم, نسبوا ذلك المذهب المدمر المخالف للسنة لأفاضل من الأمة؛ إذ النفوس متعلقة بقول الأفاضل.

ثم زادوا الأمر جرماً فأخرجوا الحق الذي هو السمع والطاعة لحكام المسلمين بالمعروف في قالب مشوه فقالوا: مداهنة, وفاعله عميل لأعداء الإسلام! أو علماء أهل السنة علماء سلاطين! أو مخابرات مجندين ! إلى غير ذلك من تشويه الحق والافتراء على أهله, وتلميع الباطل وتمجيد أهله.


وختاماً:

الحذر الحذر ممن تشبه بالعلماء وليس منهم ممن قلب السنة بدعة وجعل الحق باطلاً وأظهر الخروج على ولاة أمر المسلمين في ثوب الشجاعة والرجولة والسنة, فأفسد الديار وزعزع الأمن وشوه صورة الإسلام.

ولنحذر كما حذرنا المصطفى فقال صلى الله عليه وسلم:"دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قال حذيفة: يا رسول الله صفهم لنا.

قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"(31)

فمثلهم كما قال وهيب بن الورد: ضُرب مثل عالم السوء فقيل : مثل العالم السوء كمثل حجر دفع في ساقية فلا هو يشرب من الماء, ولا هو يخلى عن الماء فيحيى به الشجر ، ولو أن علماء السوء نصحوا لله في عباده فقالوا : يا عباد الله اسمعوا ما نخبركم به عن نبيكم وصالح سلفكم فاعملوا به ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفشلة فإنا قوم مفتونون, كان قد نصحوا الله في عباده ولكنهم يريدون أن يدعوا عباد الله إلى أعمالهم القبيحة فيدخلوا معهم فيها".(32)

وإياكم وسحر بيانهم ومتشابه كلامهم قال صلى الله عليه وسلم:" إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".(33)

وعليكم بما عرفتم من السنة وما عليه علماء أهل السنة والجماعة , واجعل صمام الأمان في هذه الأزمان قول ابن سيرين :" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.


كتبه

الشيخ أحمد بن مبارك المزروعي حفظه الله




________________

الهوامش:

(1) رواه الترمذي (2224), وابن أبي عاصم في السنة(1052), وصححه الألباني في الصحيحة (2297).

(2) رواه البزار(2848).

(3) عند عبدالرزاق في مصنفه (20715). والحديث صححه الهيثمي في مجمع الزوائد(5/219).

(4) رواه البخاري(7148).

(5) رواه البخاري(6622) ومسلم(1652).

(6) رواه أحمد في المسند (25162), وابن حبان في صحيحه(6876), والترمذي (3705) وقال:"حديث حسن غريب". وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي(3705).

(7) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (38686).

(8) الصُّدْغُ: هو ما بين خط العين إلى أصل الأذن. ينظر: لسان العرب ابن منظور (8/213).

(9) الطبقات الكبرى ابن سعد (3/77).

(10) كما ورد ذلك عن عائشة رضي الله عنها. ينظر: الاستيعاب ابن عبدالبر(546).

(11) ينظر:الاستيعاب ابن عبدالبر (550).

(12) ينظر:الاستيعاب ابن عبدالبر(551).

(13) البداية والنهاية (10/320) من طبعة التركي.

(14) ينظر: تحقيقه للمنتقى من منهاج السنة النبوية للذهبي(241-242).

(15) ينظر: سير أعلام النبلاء (4/183), البداية والنهاية ابن كثير(9/206)

(16) هو طالوت بن عبد الجبار المعافري الأندلسي المالكي أخذ عن : مالك بن أنس. ولم أقف على وفاته.

ترتيب المدارك (1/651), نفح الطيب التلمساني (2/639).

(17) هو أبو محمد يحي بن يحي بن كثير بن وِسلاس الليثي المالكي. أخذ عن: مالك بن أنس, ونافع بن أبي نعيم. توفي:234هـ.

ينظر: ترتيب المدارك القاضي عياض (1/688).

(18) ينظر: ترتيب المدارك القاضي عياض (1/473-474)و(1/699), سير أعلام النبلاء الذهبي (8/255), نفح الطيب التلمساني (2/639).

(19) سير أعلام النبلاء الذهبي(8/258-259).

(20) الأعلام الزركلي (2/235).

(21) البداية والنهاية (9/207).

(22) ينظر: صحيح البخاري (ص1355).

(23) ترتيب المدارك القاضي عياض (1/652).

(24) سير أعلام النبلاء(8/255).

(25) نفح الطيب التلمساني (2/639).

(26) ينظر: ترتيب المدارك القاضي عياض (1/700).

(27) ذم الكلام (رقم 77), مختصر الحجة (2/574)

(28) شرح السنة (86-87).

(29) شرح السنة(90). ينظر: شرح البخاري ابن بطال(10/33).شرح النووي على مسلم (12/433),إكمال إكمال المعلم الأبي مع مكمل الإكمال السنوسي(6/529).

(30) الجاثية: ٢٣

(31) رواه البخاري(3606), مسلم(1847).

(32) إقتضاء العلم العمل للخطيب(66).

(33) رواه البخاري(4547),مسلم (2665).


URL
HTML
BBCode
______________________________________
تقيم الموضوع:
بمشاركة الموضوع تعم الفائدة ونشرا للعلم:

0 التعليقات :

إرسال تعليق

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة إلى هذه البرامج